(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(103)
الملأ إشراف قومه وإنما خصوا بالذكر لأنه إذا آمن الأشراف آمن الأتباع.
(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ(115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
«فإنْ قلتَ» : كيف جاز لموسى أن يأمر بالإلقاء وقد علم أنه سحر وفعل السحر غير جائز؟
قلت: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى فيه أجوبة:
أحدها أن معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا.
الجواب الثاني: إنما أمرهم بالإلقاء لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا حبالهم وعصيهم لم تظهر معجزة موسى في عصاه.
الجواب الثالث: أن موسى علم أنهم لا بد أن يلقوا تلك الحبال والعصي، وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير فأذن لهم في التقديم لتظهر معجزته أيضا بغلبهم لأنه لو ألقى أولا لم يكن له غلب وظهور عليهم فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولا.
(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ(120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122)
«فإنْ قلتَ» : كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان؟
قلت: لما قذف الله عز وجل في قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجدا لله تعالى شكرا على هدايتهم إليه وعلى ما ألهمهم الله من الإيمان بالله وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم.
وقيل: لما رأوا عظيم قدرة الله تعالى وسلطانه في أمر العصا وأنه ليس يقدر على ذلك أحد من البشر وزالت كل شبهة كانت في قلوبهم بادروا إلى السجود لله تعظيما لشأنه لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان باللسان.