* وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ مَاتَ صَغِيرًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِإِقْرَارِهِ فِي الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ.
وَمَنْ بَلَغَ الْعَقْلَ لَمْ يُغْنِهِ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ.
وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتُلِفَ فِيهَا لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي (الرُّومِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ ظُهُورِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ قَوْلِهِ (مِنْ بَنِي آدَمَ) .
وَأَلْفَاظُ الْآيَةِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَلَيْسَ لِآدَمَ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ.
وَوَجْهُ النَّظْمِ عَلَى هَذَا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ ذُرِّيَّتَهُمْ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ ظَهْرَ آدَمَ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ بَنُوهُ.
وَأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا يَوْمَ الْمِيثَاقِ مِنْ ظَهْرِهِ.
فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ لِقَوْلِهِ: (مِنْ بَنِي آدَمَ) .
(ذُرِّيَّتَهُمْ) قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّوْحِيدِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ تَقَعُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) فَهَذَا لِلْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ هِبَةَ وَلَدٍ فَبُشِّرَ بِيَحْيَى.
وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى التَّوْحِيدِ في قوله: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) ولا شيء أَكْثَرَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ.
وَقَالَ: (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) فهذا للجمع.
وقرا الباقون
(ذُرِّيَّاتهمْ) بِالْجَمْعِ، لِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ لَمَّا كَانَتْ تَقَعُ لِلْوَاحِدِ أَتَى بِلَفْظٍ لَا يَقَعُ لِلْوَاحِدِ فَجَمَعَ لِتَخْلُصَ الْكَلِمَةُ إِلَى مَعْنَاهَا الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ لَا يشركها فيه شيء وَهُوَ الْجَمْعُ، لِأَنَّ ظُهُورَ بَنِي آدَمَ اسْتُخْرِجَ مِنْهَا ذُرِّيَّاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَنَاسِبَةٌ، أَعْقَابٌ بَعْدَ أَعْقَابٍ، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، فَجَمَعَ لِهَذَا الْمَعْنَى.