(وَرِثُوا الْكِتابَ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُمُ الْيَهُودُ، وَرِثُوا كِتَابَ اللَّهِ فَقَرَءُوهُ وَعَلِمُوهُ، وَخَالَفُوا حُكْمَهُ وَأَتَوْا مَحَارِمَهُ مَعَ دِرَاسَتِهِمْ لَهُ.
فَكَانَ هَذَا تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَقْرِيعًا.
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ وَنَهَمِهِمْ.
(وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا) وَهُمْ لَا يَتُوبُونَ.
وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) وَالْعَرَضُ: مَتَاعُ الدُّنْيَا، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَبِإِسْكَانِهَا مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الرِّشَا وَالْمَكَاسِبِ الْخَبِيثَةِ.
ثُمَّ ذَمَّهُمْ باغترارهم في قولهم (سَيُغْفَرُ لَنا) وَأَنَّهُمْ بِحَالٍ إِذَا أَمْكَنَتْهُمْ ثَانِيَةً ارْتَكَبُوهَا، فَقَطَعُوا بِاغْتِرَارِهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَهُمْ مُصِرُّونَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنَا مَنْ أَقْلَعَ وَنَدِمَ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْوَصْفُ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هَؤُلَاءِ مَوْجُودٌ فِينَا.
أَسْنَدَ الدَّارِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ عَنْ شَيْخٍ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو عن معاذ
بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَيَبْلَى الْقُرْآنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ كَمَا يَبْلَى الثَّوْبُ فَيَتَهَافَتُ، يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَةً وَلَا لَذَّةً، يَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ، أَعْمَالُهُمْ طَمَعٌ لَا يُخَالِطُهُ خَوْفٌ، إِنْ قَصَّرُوا قَالُوا سَنَبْلُغُ، وَإِنْ أَسَاءُوا قَالُوا سَيُغْفَرُ لَنَا، إِنَّا لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا.
وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي (يَأْتِهِمْ) لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ، أَيْ وَإِنْ يَأْتِ يَهُودَ يَثْرِبَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ كَمَا أَخَذَهُ أَسْلَافُهُمْ.