أَلِلنَّارِ أَرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ؟ فَأَيْنَ رَحْمَةُ الْأُمِّ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسَانُهُ، وَذَكَرَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَالنُّكْتَةُ أَنَّهَا كَانَتْ رَحِيمَةً وَمَا كَانَتْ رَحْمَانَةً فَلِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْقَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا جَوَّزَتِ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ، فَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِنَايَاتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أَنْ يَحْرِقَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنَّارِ.
* الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» فَظَهَرَ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: «أُمَّتِي، أُمَّتِي» فَهَذَا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ هَذَا الْكَرَمُ وَهَذَا الْإِحْسَانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هَذَا الْمَبْلَغُ فَكَيْفَ كَرَمُ مَنْ هُوَ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ؟
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ الْمَالِكَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِلشَّيْءِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ مَوْجُودًا، وَالْقِيَامَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْحَالِ، فَلَا يَكُونُ اللَّهُ مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: (مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (أَنَا قَاتِلُ زَيْدٍ، فَهَذَا إِقْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ أَنَا قَاتِلٌ زَيْدًا بِالتَّنْوِينِ كَانَ تَهْدِيدًا وَوَعِيدًا.