إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ مِحْنَةٍ وَبَلِيَّةٍ وَأَلَمٍ وَمَشَقَّةٍ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا وَأَلَمًا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَتَحْقِيقُهُ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ تَرْكَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّكَالِيفِ تَطْهِيرُ الْأَرْوَاحِ عَنِ الْعَلَائِقِ الْجَسَدَانِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ خَلْقِ النَّارِ صَرْفُ الْأَشْرَارِ إِلَى أَعْمَالِ الْأَبْرَارِ، وَجَذْبُهَا مِنْ دَارِ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِهَذَا الْبَابِ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَإِنَّ مُوسَى كَانَ يبني الحكم على ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ فَاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وَقَتْلَ الْغُلَامِ وَعِمَارَةَ الْجِدَارِ الْمَائِلِ، وَأَمَّا الْخَضِرُ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْحَقَائِقِ وَالْأَسْرَارِ.
* الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ، وَالرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
* «فَإِنْ قِيلَ» : فَعَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ: فَلِمَ ذَكَرَ الْأَدْنَى بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْلَى؟