قَالُوا: الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا: «اللَّهُ» الْإِلَهُ، وَهِيَ سِتَّةُ حُرُوفٍ، فَلَمَّا أَبْدَلُوهُ بِقَوْلِهِمُ: «اللَّهُ» بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ فِي الْخَطِّ: هَمْزَةٌ، وَلَامَانِ، وَهَاءٌ، فَالْهَمْزَةُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَاللَّامُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ، وَالْهَاءُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى حَالَةٍ عَجِيبَةٍ، فَإِنَّ أَقْصَى الْحَلْقِ مَبْدَأُ التَّلَفُّظِ بِالْحُرُوفِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى قليلا قَلِيلًا إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى طَرَفِ اللِّسَانِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْهَاءِ الَّذِي هُوَ فِي دَاخِلِ الْحَلْقِ، وَمَحَلُّ الرُّوحِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَبْتَدِئُ مِنْ أَوَّلِ حَالَتِهِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ النَّكِرَةِ والجهالة، ويترقى قليلا قَلِيلًا فِي مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى آخِرِ مَرَاتِبِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ وَدَخَلَ فِي عَالَمِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْأَنْوَارِ أَخَذَ يَرْجِعُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْفَنَاءِ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: النِّهَايَةُ رُجُوعٌ إِلَى الْبِدَايَةِ.
(لا رحمن إلا الله)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَهَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ رَحْمَةٌ أَمْ لَا؟
قُلْنَا: الْحَقُّ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ إِلَّا لِلَّهِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ رَحْمَةٌ إِلَّا أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَكْمَلُ مِنْ رَحْمَةِ غَيْرِهِ، وَهَاهُنَا مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا رَحْمَةَ إِلَّا لِلَّهِ، فَنَقُولُ: