بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فما لكم لا تعرفون و حقا ولا تشكرون له نعمة وما لكم لا ترجون و ثوابا ولا تخافون له عقابا ما لكم لا تخافون و عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة وأي عذر لكم في ترك الخوف من الله ما لكم لا توحدون الله ولا تؤدون و طاعة ولا تعلمون و عظمة وأنه إلهكم لا إله سواه وما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا. (ما لكم لا ترجون لله وقارا ) [نوح: 13]
كلمة ذكر بها نبي الله نوح قومه وقد أعقبها بقوله: (وقد خلقكم أطوارا ) [نوح: 14]
أي جعل لكم من أنفسكم آية تدل على توحيده وقد كان نبي الله نوح أطول الأنبياء عمرا وأكثرهم جهادا تحمل الكثير من الأذى وما ترك سبيلا من سبل الدعوة إلا وسلكه دعا قومه ليلا ونهارا وسرا وعلانية حتى قيل كان يدخل لهم في بيوتهم لدعوتهم فما وجد منهم إلا صدودا وإعراضا كانوا يضربونه حتى يغمى عليه فإذا أفاق قال لهم: (عبدوا الله ما لكم من إله غيره) [المؤمنون: 23] .
وقد قام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يذكرهم ويعظهم ويدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وفي النهاية ما آمن معه إلا قليل. وعن ابن عباس: أنهم كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم وهذا العدد على أكثر تقدير. وإلا فالبعض ذكر أن عدد الذين آمنوا معه كانوا عشرة وهم الذين ركبوا معه في السفينة منهم أولاده: حام وسام ويافث ونساؤهم. وكان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص ثم طرأ الشرك في قوم نوح (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) [نوح: 23 24] .