بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهل من الممكن أن ترتفع الهمة ونزاحم الأفاضل في محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المحبة التي أورثتهم صدق المتابعة وبذلك كانوا سادة وقادة ودانت لهم الممالك وفتحوا قصور كسرى وقيصر. وهل من الممكن أن نتجاسر ونردد ما قاله أبو مسلم -رحمه الله: «أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا فوالله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا» . وأبو مسلم الخولاني كان مجاب الدعوة وهو من أكابر التابعين وقد صنع الله به مثل صنيعه بنبي الله إبراهيم عليه السلام فقد أضرم الأسود العنسي له النيران باليمن وقذفه فيها فكانت النار بردا وسلاما عليه وكان الأسود قد ادعى النبوة وسأل أبا مسلم: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال له: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: لا. فصنع له هذه النيران وقيل: كانت الطير لا تمر بجنباتها إلا خرت صريعة فأشار عليه أهل مملكته أنك إن تركت أبا مسلم في بلادك أفسدها عليك فأمره بالرحيل فوصل أبو مسلم المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه عمر وقال له: فما فعل عدو الله (أبو الأسود) بصاحبه الذي حرقه بالنار فلم تضره؟. فقال له أبو مسلم: ذاك عبد الله بن ثوب - واستخدم لغة التورية والتعريض- فقال له عمر: ناشدتك الله أأنت هو؟ قال له أبو مسلم: نعم. فقبل عمر ما بين عينيه وأجلسه بينه وبين أبي بكر رضى الله عنه وقال: الحمد و الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من صنع به مثل صنيعه بإبراهيم. وكان أبو مسلم لا ىجالس أحدا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه وكان يقول: إن لكل ساعة غاية وغاية كل ساعة الموت فسابق ومسبوق.