إن السعيد من صرف الله أمله إلى ما يبقى وقطعه عما يفنى وأعانه في دار الفناء على عمارة دار البقاء والويل الطويل والحسرة التي لا تزول لمن أعرض عن الكتاب والسنة ولم ينه نفسه عن الهوى تفكر في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبر منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكررها مرارتها ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر. إن فيها مواعظ لمن ادكر لقد غفلت وليس بمغفول عنك وأملك دنيا والموت يطلب وبنيت قصرا والقبر مسكنك ... كلا إنها تذكرة فلا تتبرم فقد روجع بذلك من هو أفضل منك صلوات الله وسلامه عليه؛ لانصرافه عن ابن أم مكتوم الأعمى وإقباله على صناديد وأشراف قريش لدعوتهم نزل قوله تعالى: (عبس وتولى(1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من ستغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة ) [عبس: 1 - 11] .
عاتبه سبحانه بسبب ابن أم مكتوم حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء رغم أنه صلى الله عليه وسلم كان يطمع في إيمان أشراف قريش وسيسلم بإسلامهم خلق كثير أي أنه صلى الله عليه وسلم كان في مهمة دعوة ولم يكن انصرافه لأمر دنيوي فما الذي يقال لمن باع دينه بدنياه أو باع دينه بدنيا غيره. كلا إنها تذكرة فلا تستنكف عن قبولها فإن الذكرى تنفع المؤمنين واحذر النسيان الذي يدمر دينك ودنياك فقد قال تعالى عن المنافقين: (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) [النساء: 142]
وقال: (نسوا الله فنسيهم) [التوبة: 67]
وقال: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) [الحشر: 19] .