لقد تصور القوم أن الملك حكر عليهم وأن التقديم والتأخير تبعا للغنى والفقر و صادموا الوحي بذلك وهم أهل تعنت؛ فقد صنعوا ذلك من قبل مع نبي الله موسى عندما أمرهم بذبح بقرة فأكثروا وشددوا؛ فشدد الله عليهم كما يقول ابن عباس: لو أخذوا بقرة فذبحوها لأجزأتهم. وحرص بني إسرائيل على المال قديم وتقييمهم الخلق به لم ينته (ولم يؤت سعة من المال) وهذا الموقف جعل نبيهم يحتج عليهم بقوله: (إن الله صطفاه) أي اختاره وهو الحجة القاطعة وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه وزيادة الجسم مما يهيب العدو وقيل سمي طالوت لطوله. والواجب على العباد أن ينقادوا لأمر ربهم حتى وإن خفيت الحكمة (الم «(1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3 ) ) [العنكبوت:1 - 3] .
ومع ذلك أوضح لهم نبيهم سبب اختيار طالوت وبغض النظر عن حرفته وصنعته وغناه وفقره فهو قد تأهل للملك بالعلم والجسم والقوة والأمانة لابد منهما في كل ولاية (إن خير من ستأجرت القوي الأمين) [القصص: 62] .