وشرع الله مصلحة كله وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله فالإنكار قد يتعين وقد يستحب وقد يحرم والساكت عن الحق شيطان أخرس وهو من جملة الفروض التي ضيعت عبر أزمان متطاولة بحيث لم يبق منه إلا رسمه كما لم يبق من الدين إلا اسمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يكن سببا في إيجاد الشخصية المسلمة وإقامة المجتمع المسلم فلا أقل فيه من إقامة الحجة على الخلائق وإعذار النفس بالبلاغ كما فعل الواعظون في قصة أصحاب السبت روى أن الملائكة أرادت أن تقلب قرية على من فيها فقالوا يا رب إن فيها عبدك الصالح فلان لم يعصك طرفة عين فأمرهم الله أن يبدأوا به؛ لأن وجهه لم يتمعر في الله قط وكأنه لما رأى حرمات الله تنتهك قال: وأنا ما لي أو خليك في حالك والرجل في بيته والحاكم في سلطانه قد يكون لديه القدرة والاستطاعة ويعلم بالمنكرات فيلزمه الإنكار ويجب عليه. وإذا خاف الإنسان على نفسه الأذى استحب له وسيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله ومثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار قوم في أعلاها وقوم في أسفلها فكان القوم الذين هم أسفل السفينة كلما أرادوا أن يستقوا الماء صعدوا لأعلاها فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا - أي بدلا من الصعود والنزول- فلو الذين أعلى السفينة تركوهم لهلكوا وهلكوا جميعا ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجو جميعا. فالأمر بالمعروف إنما هو لمصلحة الجميع وإن كان البعض لا يحب الناصحين فإذا لم تزل المنكر فزل تباعد بنفسك عن أماكن الفسق والفجور وعن العصاة والمذنبين إذا استمروا على غيهم وضلالهم؛ لحديث الجيش الذي يغزو الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ويخسف بمن ليس معهم (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) [الأنفال: 25]