وهذا مفهوم ولكن القادم إلى بيت الله الحرام يتلذذ أكثر بعبق الماضي وما يستهويه الكتل الخرسانية الصماء التي يشاهدها في بلده وهنا وهناك يريد أن يرى واقعا يتناسب مع عظمة الكعبة وقدسيتها سلوكيات وتصرفات تتوافق مع ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدله على الله وتحثه على الالتزام بمنهجه سبحانه. يؤذيه أن تقع عينه على المتبرجات والممثلات في أفلام وتمثيليات التليفزيون يضيق صدره بالتعاملات الربوية في البنوك لا يطيق التمسح بحلق الحديد وأحجار وأستار الكعبة لا يكاد يصدق نفسه عندما يجد الفظاظة والغلظة والجفاء في التعامل وكأنه أتى متسولا. ولم تعد مسألة الوصول للبيت العتيق قاصرة على الزاد والراحلة بل تعقيدات وأمور نخشى أن تصل إلى حد الصد عن سبيل الله والتنفير من طاعة الله مما يدفع المرء لأن يتساءل أين الأخوة الإيمانية؟! وأين الإعانة على طاعة الله؟ وأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وأين شكر النعمة؟! ... ويطول العجب وتتكدر اللذة قال النووي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن هذا الفرض قد ضيع عبر أزمان متطاولة فل يبق منه إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه. والناس يفرقون بين أهل مكة وأهل المدينة ويثنون الخير كله على تعامل أهل المدينة. ورغم الصعوبات والمشاق إلا أن الناس يحرصون على تذليلها والتغلب عليها للوصول لبيت الله الحرام فهو أشد جذبا للقلوب والنفوس من المغناطيس. لقد كان الناس على جاهليتهم عندهم بقية تعظيم للشهر الحرام والبيت الحرام حتى أن الرجل ليجد قاتل أبيه عند البيت العتيق فلا يهم بقتله وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف بثياب عصينا الله فيها وهذا من التعظيم بزعمهم. فلما قتل عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام قامت قريش ولم تقعد ..