فهذا هو شأنهم حتى وإن امتلكوا شيئا من الماديات. وبأي شيء سنصف الحقبة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنها كانت القمة في الحضارة والتقدم والنور قال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [الشورى: 52] . وما تقدم من تقدم إلا بطاعة الله وما تأخر من تأخر إلا بمعصية الله (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) [المدثر: 37] فالغرب لكفره وضلاله لم يتورع عن التزييف حتى بالنسبة للحقائق العلمية فتصاوير الأقمار الصناعية توضح وجود الكعبة في مركز الأرض والشرع قاض وحكم على كل شيء. وأنت هناك تجد الشوارع والأماكن جميعها تصب في هذه البقعة المباركة وتزدحم الطرق بالخلق في ساعات الليل والنهار ولا يمنع أحد من الطواف بالكعبة المشرفة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت في أية ساعة من ليل أو نهار» . وحرص الناس على الطاعات في هذه البقعة المباركة يبعث حرارة الإيمان وبرد اليقين بعظمة هذا الدين فالناس بين راكع وساجد وتال لكتاب الله ولا تجد نفسك إلا مسبوقا دائما فلو حدثتك نفسك بالتبكير بصلاة الفجر أو الجمعة ستجد الخلق قد سبقوك وملأوا الحرم فمتى خرجوا ومتى وفدوا وإذا كنت تاليا أو حافظا لكتاب الله فالأعاجم يتلونه حق تلاوته ويحفظونه عن ظهر قلب وقد تجد من انحنى ظهره لا يكف عن الركوع والسجود .. مشاهد إيمانية تربوية لردع النفوس التي تتوهم أنها قد بلغت شأوا وقدرا فتردها إلى حجمها وتستشعر أنها من وراء وراء.