لقد كان أبو مسلم صاحب فقه وبصيرة وهمة عالية أدرك الباب الذي منه يدخل وكيف يجوز الفضل بكلتا يديه وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم لقد التف الأفاضل حول النبي صلى الله عليه وسلم يفتدونه بالغالي والرخيص ويقدمونه على الأهل والمال بل وعلى أنفسهم فهذا أبو بكر الصديق يرى عقبة بن أبي معيط - أشقى القوم - وقد خنق النبي صلى الله عليه وسلم بطرف ردائه وهو ساجد أمام الكعبة فيحل وثاقه ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم فيترك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وينهالون ضربا على أبي بكر حتى أغمي عليه وسقطت غدائره فلما أفاق قال: تباركت يا ذا الجلال والإكرام ماذا فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما قال له عمر يوم الحديبية: علام نعطي الدنية في ديننا أو لسنا على الحق؟ أوليس رسول الله حقا؟ فقال له أبو بكر: الزم غرزه؛ فإنه على الحق. وجاءه المشركون يوم الإسراء يقولون له: إن صاحبك يزعم أنه قد عرج به إلى السماء فما زاد على قوله: إن كان قال فقد صدق فوالله إني لأصدقه في أكثر من ذلك أصدقه في خبر السماء. ثم يوم الهجرة جعل أبو بكر يتذكر الرصد فيمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ويتذكر الطلب فيتحول خلقه ويسير عن يمينه تارة وعن شماله تارة أخرى كل ذلك مخافة أن يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بأذى ولما دخل الغار جعل يسد الشقوق بيديه ورجليه وثوبه ويقول: إن أهلك أهلك وحدي وإن تهلك تهلك معك الدعوة. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب فانتصب أبو بكر يقول: أينقص الإسلام وأنا حي؟ ولما راجعه البعض في إنفاذ بعث أسامة قال: والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم.