وأشد الورع في اللسان وهو أعصى الأعضاء على الإنسان وأعظم آلة يستخدمها الشيطان وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله فلا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه فكان لابد من مجاهدة في صونه وفي الحديث «من حسن إسلام المرء تركه لا يعنيه» [رواه الترمذي] فالمؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره إلا عبرا ونطقه إلا ذكرا ورأس مال العبد أوقاته فإن صرفها في ما لا يعنيه ولم يدخرها ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله قيل للقمان الحكيم: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيت ولا أتكلف ما لا يعنيني وقال عمر -]- لا تتعرض لما لا يعنيك واعتزل عدوك واحذر صديقك في القوم إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله تعالى ولا تصحب الفاجر فتتعلم منه فجوره ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى وكان من مضى بإحسان يكرهون فضول الكلام فعن ابن مسعود -]- عنه قال: أنذركم فضول كلامكم حسب امرئ من الكلام ما بلغ به حاجته وقال مجاهد: أن الكلام ليكتب حتى إن الرجل ليسكت ابنه فيقول: أبتاع لك كذا وكذا فيكتب كذاب. وقال الحسن: من كثر كلامه كثر كذبه ومن كثر ماله كثرت ذنوبه ومن ساء خلقه عذب نفسه. وقال عمر بن عبد العزيز: إنه ليمنعني من كثير الكلام خوف المباهاة. وقال البعض: إذا كان الرجل في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت فليتكلم وقال ابن عمر: إن أحق ما طهر الرجل لسانه ورأى أبو الدرداء امرأة سليطة فقال: لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها. وقد يندرج العبد إلى الخوض في الباطل كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر والفسق والفجور قال تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) [النساء: 140]