ولم يكن يومئذ جهاد بالسيف وقد قام الأفاضل بهذا الجهاد خير قيام وصدعوا بكلمة الحق غير هيابين لما أصابهم في سبيل الله فبعد ما أسلم أبو ذر قام يعلن إسلامه وينطق بالشهادتين فانهال المشركون عليه ضربا وكذلك قام ابن مسعود يتلو على المشركين آيات من كتاب الله فكادوا يقتلونه ولما تخوف عليه أصحابه قال: لو شئتم لعاجلتهم بها من الغد. وكان بلال يردد: «أحد أحد» وهم يخرجون به في رمضاء مكة ويضعون عليه كتل الصخر في حر الظهيرة وقتلت سمية وزوجها ياسر وابنها عمار لنطقهم بهذه الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وكان خباب بن الأرت من أوائل من أسلم وكانت سيدته أم تميم تسخن كتل الحديد حتى تحمر ثم تضعها على رأسه حتى يتلوى من الألم رجاء أن يكفر ولما ذهب يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ والنبي متوسد بردة في ظل الكعبة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «كان من منكم من قبل كان يؤتى بالرجل ويحفر له في الأرض ويؤتى بالمنشار فيوضع فوق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه أبدا وكان يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دينه أبدا والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» . وما لاقاه مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص من أمه وهي أقرب الناس إليه وكذلك موقف حذافة السهمي من ملك الروم .. يدل دلالة قاطعة على أن جهاد الكلمة قد يكلف الكثير من التضحيات. حدث ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع سائر الأنبياء والمرسلين فمنهم من قتل كزكريا ويحيى ومنهم من حبس كنبي الله يوسف ومنهم من أوذي كنبي الله نوح وصالح وشعيب عليهم السلام.