جرت العادة في تهذيب الذين تردوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم متى تركوا تعاطي الإحسان والأفضال وتحري العدالة فلا يأتونها لا خلقا ولا تخلقا ولا رياء ولا سمعة ولا رغبة ولا رهبة فصاروا في تعاطي الشر سواسية كأسنان الحمار وعدمت فيهم الفضيلة فحينئذ إن بقى في نفوسهم أثر قبول الخير أنشأ الله فيهم من يهديهم باللسان والسيف كبعثة النبي صلى الله عليه وسلم في العرب لما بقى فيهم من أثر الخير من تعظيم الشهر الحرام والبيت الحرام والوفاء بالذمم وإن قل فيهم أثر قبول الخير سلط الله عليهم سيفا جائرا (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) [الأنعام: 129] .
إن الله ينتصف من أوليائه بأوليائه ومن أعدائه بأعدائه ويعاملهم بما عامل به بنو إسرائيل حيث سلط عليهم بختنصر وإن عدم منهم أثر القبول بعث عليهم عذابا يفنيهم إما طوفانا أو صيحة أو نارا محرقة أو ريحا فيها عذاب أليم أو الجراد والقمل والضفادع والدم ليطهر منهم البلاد ويريح منهم العباد كما صنع الله بعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط وذلك كالأرض إذا استولى عليها الشوك فلابد من نسفها أو تسليط النار عليها حتى تعود بيضاء ولا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا. إن تقلب الزمان بأهله من المعاني المشاهدة وفي ذلك عظة وعبرة لأولي الألباب فالغني قد يصير فقيرا والفقير يصير غنيا والقوي يصير ضعيفا والحاكم قد يصبح محكوما عليه (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) [الفرقان: 20]