ولما نزل الموت بمحمد بن المنكدر بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر (الصيام في الأيام الشديدة الحر) وقيام ليالي الشتاء. فتفكروا في مجيئ الشتاء والصيف فوالله ما زال المؤمنين يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حى أيقنت قلوبهم وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته. ما رأى الصالحون شيئا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية. قد لا نطيق حر الصيف واشتداد العرق فكيف يكون حال الخلق والعباد عندما تدنو منهم الشمس وتكون كمقدار ميل ويذهب عرقهم في الأرض حتى يرويها ثم يرتفع فوق الأرض ويأخذهم على قدر أعمالهم فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها» [رواه البخاري ومسلم] .
وأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك قال تعالى (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [مريم: 71 72]