حقبة تاريخية عصيبة تلك التي مرت بها الأمة فمن كان يتصور أن انكسار التتار سيتم على يد قطز ويقال أن السلطان قطز أمر بقتل رسل التتار الأربعة الذين حملوا خطاب هولاكو وأمر بتعليق رؤوسهم في أماكن متفرقة من القاهرة ولم ينتظر حتى يهاجمه المغول في عقر داره بل جمع رجاله وأصدره أمره إلى الجيش بالزحف إلى بلاد الشام وجعل الأمير بيبرس قائدا لطليعة الجيش وطلب منه أن يستطلع أخبار المغول ويقف على أسرارهم وخططهم الحربية وموافاته بها أولا بأول. وكان اختيارا موفقا وعلم بيبرس بوجود المغول بغزة فسارع إلى مناجزتهم فدب الرعب في قلوبهم وولوا الأدبار وكان ذلك بمثابة أول فرار لهم في تاريخهم العسكري وسرعان ما لحق به قطز حيث أقام بغزة يوما واحد ثم واصل زحفه بحذاء الساحل إلى عكا وقد جمع قطز بين الحنكة العسكرية والسياسية ولم يفته أن يحذر الصليبيين ويقسم لهم أنه متى بدرت منهم أي بادرة يترتب عليها أذى جند المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقى التتر فأمن بذلك طرقه ومؤخرة جيشه من أي خطر أو هجوم مفاجئ من جانب الصليبيين وهم الذين كانوا قد تحالفوا مع التتار على المسلمين من ذي قبل ثم أخذ قطز يستعد لمنازلة المغول وإنزال الهزيمة الساحقة بهم. وقد ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل فرسه فترجل وبقى واقفا على الأرض ثابتا والقتال يدور في المعركة فلما رآه بعض الأمراء نزل عن فرسه وحلف على السلطان قطز ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير: ماكنت لأحرم المسلمين نفعك ولم يزل كذلك حتى جاءوه بالخيل فركب فلامه بعض الأمراء وقال: ياخوند لم كده ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك فقال أما أنا فكنت أروح إلى الجنة وأما الإسلام فله رب لا يضيعه قد قتل فلان وفلان حتى عد خلقا من الملوك فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضيع الإسلام ..