والمسألة الثانية: هي مسألة التفريق بين النوع والمعين فقد يكون القول كفرا ويطلق القول بتكفير قائله فيقال من قال كذا فهو كافر أما الشخص المعين فلا يكفر إذ لعله نشأ ببادية بعيدة أو عرضت له شبهات يعذره الله بها أو كان عنده تأويل يمنع تكفيره كما يقول النووي وابن تيمية وغيرهم.
وهذه المسألة مثار خلط كبير بين الناس فإذا تلبس إنسان بقول أو فعل كفري سارع البعض بتكفيره وهذا خطأ وغلو إذ لابد من إقامة الحجة الرسالية بحيث تنتفي الشبهات وتدرأ المعاذير ويهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة وهذه الحجة يقيمها عالم أو ذو سلطان مطاع والوعيد الوارد في النصوص حق إلا أنه قد لا يتحقق في الشخص المعين لفوات شرط أو ثبوت مانع فمثلا قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [النساء: 01] .
يوضح ابن تيمية أن آكل أموال اليتامى ظلما قد تكون عنده حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو قد تلحقه شفاعة شفيع مطاع وبالتالي فلا يتحقق فيه الوعيد الوارد في الآية ويستدل على ذلك بقصة الرجل الذي كان يشرب خمرا وكان أكثر ما يؤتى به لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخمور فقال أحد الصحابة: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» أو «ما أعلمه إلا يحب الله ورسوله» فأثبت له النبي صلى الله عليه وسلم صفة المحبة رغم أنه كان يشرب خمرا وقال: «لا تلعنه» رغم أنه لعن في الخمر عشرا ومعنى اللعن الطرد من رحمة الله وهذا قد لا يتحقق في الشخص المعين للمسائل التي ذكرناها فوجب التفريق بين النوع والمعين.