وعموما فالفتوى تقدر زمانا ومكانا وشخصا والمعلوم من الدين بالضرورة عندنا قد يكون جهولا في أدغال أفريقيا فالبعض لم يسمع عن الإسلام رأسا والمعلوم من الدين بالضرورة عند البعض قد يكون مجهولا عند البعض الآخر في نفس الزمان والمكان كحالة النوبية التي زنيت مع مرعوش بدرهمين ورآها عمر تستهل بزناها كأنها لا تعلم فلما سأل عثمان قال له: ليس الحد إلا على من علم فلم يقم عمر الحد عليها وهذه المرأة كانت تعيش في دار الإسلام والحاكم لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ القصاص والحدود تدرأ بالشبهات فأولى ثم أولى أمر التكفير.
وقد كان الإمام مالك يقول: لأن احتمل المرء الكفر من تسعة وتسعين وجها واحتمل الإيمان من وجه لحملته على الإيمان تحسينا للظن بالمسلم. وتفاوت العلم بين زمان وآخر واضح وبين كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة فإنا لا نكفر إلا بعد العلم والبيان وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - في كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان - أنا لو رأيت الرجل يسجد عند قبر السيد البدوي أو عبد القادر الجيلاني لم أكفره إلا بعد قيام الحجة الرسالية. ومن قبل كان الإمام أحمد - رحمه الله - يقول لعلماء وقضاة الجهمية: أنا لو قلت قولكم لكفرت ولكني لا أكفركم لأنكم عندي جهال.
وقد استند العلماء في قول العذر بالجهل لحديث ذات أنواط فإن الناس كانوا حدثاء عهد بجاهلية فلما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط - أي شجرة يتبركون بها ويعلقون بها أسلحتهم - كبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون» فلم يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه علمهم. ومن قال لم يعذرهم بالجهل يقصد أنه عنفهم لا أنه كفرهم.