وهذا المعنى الذي ذكرناه فيه الرد على المعتزلة في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين بمعنى لا يحكم له بجنة ولا بنار عندهم وفيه الرد على الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة والمعتزلة خالفوا الخوارج مقالا ووافقوهم مالا إذ أن مرتكب الكبيرة عندهم يئول أمره في النهاية إلى الخلود في النار وهذا معتقد خاطئ.
أما حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» فالعلماء يقولون: ليس معنى الحديث أنه يصير كافرا بارتكابه لهذه المعاصي لكنه يقع من دائرة الإيمان إلى الإسلام إذ الإيمان يتضمن الإسلام ويزيد عليه كما أن مرتبة الإحسان تتضمن مرتبة الإيمان وتزيد عليه وهذا تفسير والتفسير الآخر أنه ينقص إيمانه بهذه المعاصي والإيمان يزيد وينقص وزيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي والزلات كما ورد في الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة (وفي رواية: بضع وستون) أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» فمن الناس من حصل أكثر هذه الشعب ومنهم من هو دون ذلك وأهل الإيمان يتفاضلون ويتفاوتون في درجات الإيمان فلو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح. وروى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق ما منهم من أحد يقول: إن إيمانه مثل إيمان جبرائيل وميكائيل.
ويستدل على هذا التفسير الثاني الذي ذهب إلىه العلماء بقوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) [الحجرات:41]