أما الثالث فقد ألقيت عليه السلام فلم يرد ثم ركبت القطار للذهاب للعمل فجلس بجواري وكان بيده كراسة -وكعادتهم يختزلون الإسلام وكتب أهل العلم في مثل هذه الكراسات التي يمليها عليهم أميرهم بحيث لا يحيدون عنها ويقيمون الدنيا تبعا لها بما فيها من بدع وضلالات - فقلت في نفسي أفتح الحوار معه وذكرت له أنني ألقيت عليه السلام فلم يرد. فقال لي: أتعرف ما هو الإسلام؟ فأجبته وأخذ يسألني وأنا بحمد الله أجيب كما يصنع الأستاذ مع التلميذ فلما فرغ قلت له: انظر فهمي هو فهمك وشكلي هو شكلك فبماذا تحكم لي قال لي: لا أحكم لك بالإسلام. وكأنني أستجدي وعلى سبيل المناظرة قلت له: احكم لي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم للمنافقين كان يقبل منهم علانيتهم ويكل سريرتهم إلى الله ولم ينه عن ذبائح المنافقين وكانوا يتزوجون من المسلمين. فقال لي: المنافقون كانت نساؤهم منقبات. قلت له: وهل هذا يغني عنهم من الله شيئا هم في الدرك الأسفل من النار وكل امرئ بما كسب رهين. وطولت النفس أكثر بعد هذه الجهالات فقلت له: نساؤنا مجلببات (قطعا للجاجة والسفاهة) بماذا تحكم لي؟ قال لي: لا. وقام وتركني.
وكان زميلا لنا بالكلية من غلاة التكفير كنت أراه وهو يلعب ويمرح وينبسط مع النصارى وتاركي الصلاة فإذا رآنا تجهم في وجوهنا فكنت أتعجب وأتذكر حظه ونصيبه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتركون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام» .
أما القصة الأخيرة - وما أكثر قصصهم - فكانت لزميل لنا بكلية الطب كثير التقلب في بدع التكفير يترك العزلة الشعورية وينخرط في التكفير والهجرة ويترك الثانية وينخرط في الثالثة وكان بين هذه وتلك يقول لي: الحمد و (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) [الرعد: 71]