وكلها صور تدل على حكمة بليغة فالحكمة لا تقتصر على الكبير دون الصغير وفي قصة سليمان مع ملكة سبأ تلمس حكمة التصرف واتخاذ القرار فعنايته برعيته وتفقده لأحوالهم وعدم تعجله بالحكم على غياب الهدهد والتزامه بمنهج التثبت في خبر سبأ كما حكاه الهدهد
(قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) [النمل: 27] .
ثم الرسالة التي كتبها بأسلوب حكيم (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) [النمل: 30 31]
وكانت بلقيس ملكة سبأ على قدر كبير من الحكمة في قيادة قومها والتزامها بالشورى منهجا وسلوكا قال الحسن: كانت هي أحزم رأيا منهم وأعلم بأمر سليمان وإنه لا قبل لها بجيوشه وجنوده.
وكذلك في قصة لقمان مع ابنه صور كثيرة من الحكمة والسنة مليئة بالحكمة ومن ذلك ما حدث في قصة صلح الحديبية والتعامل مع المنافقين وعدم قتل ابن سلول المنافق وقتال أبي بكر لمانعي الزكاة والمرتدين ... وكلها دروس بليغة لابد من التعرف عليها وذلك لأسباب كثيرة فمدار نجاح الدعوات على الحكمة والصحوة الإسلامية في يقظتها المعاصرة أحوج ما تكون إلى الحكماء.
ثم الفهم الخاطئ لمعاني الحكمة إفراطا وتفريطا قد تؤدي بالبعض إلى مداهنة الظالمين وضياع الحق والسكوت على الباطل باسم الحكمة ومن جهة أخرى فبعض المواقف والأعمال اتسمت بالتهور والاندفاع كالاغتيالات والدخول في مواجهات أو إحراق أماكن الفساد وقد جرت مثل هذه الأعمال على أمتنا عموما وعلى الدعاة خصوصا الويلات.
إن الهوى وعدم التجرد من أعظم موانع هذه الحكمة قال تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) [ص: 26] وقال: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض) [المؤمنون: 71] .