ولم يفرق البعض بين العبادات والمعاملات فرأى فريق أن يجمد على وسائل التطور الأولى وابتدع آخرون ما لم يأذن به الله بزعم ملاحقة صور التحضر والتقدم وحدث خلط كبير في المفاهيم و كان الواجب أن يصطلح كل فريق على حقه فالعبادات الأصل فيها المنع والحظر والتوقيف أما المعاملات فالأصل فيها الإباحة إذا روعيت ضوابطها الكلية فلا مانع من صناعة الطائرة وركوب السيارة وبناء المستشفى والملجأ والمدرسة وهذه الوسائل لما استخدمت له فإن استخدمت في أمر صالح كانت صالحة وإن استخدمت في أمر فاسد كانت فاسدة.
أما العبادات كالصلاة وبر الوالدين والحجاب ... فهي تؤخذ بلا زيادة ولا نقصان سواء كنا في القرن الأول أو في القرن المئة. ومن سمات هذه الدعوة المباركة التطور لا الرجوع للوراء ويكون ذلك فيما يقبل التطور مع التمسك بالمعاني الإيمانية دون تغيير أو تبديل (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) [يونس: 15] .
ولذلك قلنا: إن الإبتداع في الدين مذموم وكله ضلالة ويشمل ذلك البدع الحقيقية والإضافية (وهي التي لها شائبتان: شائبة من الشرع وشائبة من غيره. كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان بصوت جهري والإحتفال برأس السنة الهجرية والإسراء والمعراج) .
وقد أخطأ من قال: إن البدع الإضافية لا إنكار فيها بل لابد من إنكارها لعموم النهي عن الابتداع في الدين قال مالك - رحمه الله: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) [المائدة: 3]
فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.
وقال الشافعي - رحمه الله: من استحسن فقد شرع وقد ورد عن عمر أنه قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
وقال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق.