وفي مايس الماضي، عقدت جامعة روما بين السابع والعشرين والتاسع والعشرين منه ندوة عالمية حول مكتشفات تل مرديخ/ إبلا اشترك فيها عدد كبير من علماء اللغات القديمة والآثار وأسهمنا بها شخصيًا. وكان عدد البحوث التي ألقيت خلال هذه الندوة كبيرًا أربى على الثلاثين. وكانت بحوثًا منهجية وعميقة لا تراعي في الحق لومة لائم، وضعت مسألة إبلا ومكتشفاتها في مسارها الصحيح وأعطت ردًا علميًا جذريًا على التخرصات التي سعت لترويجها، عند اكتشاف محفوظات إبلا أوساط تورائية مشبوهة بعلاقتها الوثيقة بالصهيونية. وكان في حصيلة أعمال الندوة بإجماع على أن إبلا لا علاقة لها من قريب أو بعيد، ولا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون ولا بشكل تقريبي ولا بأي وجه من الوجوه، بالعبرانيين أو التوراة أو قضاة العبرانيين أو ملوكهم. فإبلا كما ذكرنا في القسم الأول من المقال، تسبق ألف عام على الأقل مرور العبرانيين وتفارق مفارق صارخة في شكل المجتمع ودرجة تطوره وفي النشاط الاقتصادي المتقدم وفي نظام الحكم والديانة وفي أنماط المدنية كلها بالإجمال والتفاصيل تلك الجماعة البدوية الهائمة بين الرافدين ومصر والتي طرأت على الوسط الكنعاني في بلاد الشام وتعلمت لغته وتبنت بعض موروثاته وتقاليده وأساطيره. وإذا اتفق وكان هناك أحيانًا تشابه في الأسماء، فإننا يجب أن لا ننسى أن هذه الأسماء كانت منتشرة في بلاد الرافدين والشام ونعرفها لدى الأكاديين في دولتهم المعاصرة لإبلا جنوبي الرافدين ونعرفها في المحفوظات المكتشفة في موقع"أبو صلابيخ"بالعراق وفي موقع"فارة"ونعرفها في العهود التالية في أسماء الكنعانيين -الأموريين، وستبقى مستعملة في منطقتنا إلى يوم الدين. ولم يستعمل العبرانيون بعض الأسماء فحسب بل استخدموا كما أوضحنا سابقًا أسماء مصرية كاسم موسى مثلًا.