1-أن المعري استغل رسالة الغفران إطارًا للنقد الاجتماعي والأدبي، وأبرز من خلالها علمه الواسع المشعب، ومعروف الأرناؤوط قصّر تقصيرًا واضحًا في هذا الباب فلم يبرز ثقافته ولا ثقافة المعري، ولم يوازن بين شعر المعري والشعر اليوناني أو الفرنسي بل اكتفى بالمرور العابر السريع فلم يشرك القارئ في متعة إقامة دراسات مقارنة بين الأدبين، ولم يعن بمقارنة بين الحضارات، إلا فيما يتعلق بمسألة اهتمام اليونان والفرنجة بتكريم رجال الفكر وقد فوّت على نفسه فرصة ثمينة كان يمكن أن تمنح الرحلة عمقًا وحياة.
2-رسم المعري عالمين متقابلين هما الجنة والنار، واقتصر صاحب الفردوس على عالم واحد متماثل له وجهان: واقعي يستمد ملامحه من مظاهر الحضارتين اليونانية والفرنسية وخيالي يرتد إلى عالم الخلود، وقد وفر التضاد الذي صوره المعري بين الجنة والجحيم طرافة وتشويقًا في حين تشابهت المواقف والفصول في (فردوس المعري) للأرناؤوط، وتماثلت المشاهد، فالحضارة الفرنسية وريثة الحضارة اليونانية.
3-أودع المعري بعض جوانب رحلته أسلوب التهكم والمفارقات الممتعة، في حين عرض الأرناؤوط المشاهد بأسلوب رصين جدي قوامه الوصف والسرد، والحوار البعيد عن العمق، فبدت المشاهد رصينة جامدة.
4-اعتمد المعري أسلوبًا واقعيًا في عرض المشاهد، واعتمد معروف الأرناؤوط في وصفه أسلوبًا إبداعيًا حافلًا بالترادف والتوازن والتزيينات البلاغية. لكنه لا يخلو من قوة تصوير وروعة خيال تجعل القارئ يعيش في جو ناعم مترف من السحر والجمال، ويطيب نفسًا برهافة حس الأديب وروعة بيانه ويبدو أن كاتب (فردوس المعري) استهوته فكرة تكريم فيلسوف المعرة ولم يطمح إلى أبعد من هذا التكريم، ولو استفاد من عبقرية المعري في (رسالة الغفران) وما فيها من أبعاد فلسفية لكان قد أضاف إلى جمال التعبير عمق الفكرة ولكان للرحلة شأن أعظم في تراثنا الأدبي.