فهذان البيتان لا يمثلان واقع البحرية العربية في سائر العصور الأندلسية بل لا يمثلان إلا بعض حالات التدهور التي مني بها، وإن ذهب د.سعد شلبي إلى أنه يؤرخ"للشعر والشعراء لا للبحر والبحارين المسلمين، فإن الأولين ليسوا من أهل المغامرات في البحار ولا ممن يجرؤون على مغالبة الأمواج بل إن هذه هي الطبيعة البشرية بصفة عامة، أما الآخرون فلهم في سجل البطولات البحرية تاريخ معروف" (5) ، فإني أرى أن هذين البيتين لا يعبران إلا عن لحظة شعورية معينة في موقف اقتضاها لا غير في زمن محدود لم يكن للعرب فيه سيطرة على البحر، وأنه لا يمكن إقامة حكم خطير كهذا على بيتين فقط، مع أن ما يدحضهما في شعر البحر الأندلسي أكثر من أن تحيط به دراسة والشعر- قبل هذا كله- تعبير فني جمالي وليس وثيقة تاريخية في أحيان كثيرة وقيمته"ليست فيما يقوله ولكن فيما يوحي به وفيما يستخدمه من فنيات جمالية ترتفع باللغة من مستواها المألوف لتعطيها قيمة جديدة" (6) . ... كثير رزاياه قليل نوافله
لذلك قد يكون أدنى إلى الصواب القول: إن هذه النظرة الشزراء نحو البحر قد انعكست على الشعر فارتبطت صورة البحر عند الشعراء عامة بالرعب والخوف والفقد إلا في أحوال نادرة (7) فأدى ذلك إلى قلة تصويره.
ولقد وقفت على مقطعة واحدة في عصر الخلافة الأموية في الأندلس لمحمد بن أبي الحسين يصف فيها البحر يقول:
"وملتطم الأرجاء محلولك القرا"
بساط من الآفات رخو كأنه ... غلالة ليل ما تلاث مهاوله
كأن اصطفاق الموج في جنباته ... خميس تهاوت بالسيوف قنابله
كأن سنا أمواجه في التجاجه ... لجين جرى فوق الزبرجد سائله" (8) "