فلو رأيتهم وقد سمعوا ذلك من حبيبهم يذكرهم ما كانوا عليه في دنياهم من رعاية عهده وحفظه ودوام خوفهم منه، وقد استطاروا فرحًا لما شكر لهم رعايتهم حقه، وحفظ منهم خوفهم، ورحب بهم محبة لهم، إذ كانوا بذلك إياه في الدنيا يعبدونه؛ استطارت قلوبهم فرحًا وسرورًا إذ لم يفرطوا في طاعته ولم يقصروا في مخافته، فاغتبطوا لما كانوا به لله في الدنيا يدينون من شدة خوفهم ورعاية حقه وحفظه، فردوا إليه الجواب مع سرور قلوبهم بالقسم لعظمته وجلاله، أنهم قد قصروا عما كان يحق له عليهم إعظامًا له واستكثارًا، إذ أثابهم جنته وأكرمهم بزيارته وقربه واستماع كلامه، فقالوا عند ذلك: وعزتك وجلالك وعظمتك وارتفاع مكانك ما قدرناك حق قدرك ولا أدينا إليك كل حقك فأذن لنا بالسجود، فقال لهم ربهم: إني قد وضعت عنكم مؤونة العبادة وأرحت لكم أبدانكم فطالما أتعبتم الأبدان وأكنتم لي الوجوه، فالآن أفضتم إلي كرامتي ورحمتي فتمنوا علي ما شئتم- وفي بعض الحديث أنهم إذا نظروا إليه خروا فيناديهم بكلامه تبارك وتعالى ارفعوا رؤوسكم، ليس هذا حين عمل، هذا حين سرور ونظر- فتوهم بعقلك نور وجوههم وما يداخلهم من السرور والفرح حين عاينوا مليكهم، وسمعوا كلام حبيبهم، وأنيس قلوبهم، وقرة أعينهم، ورضا أفئدتهم، وسكن أنفسهم، فرفعوا رؤوسهم من سجودهم، فنظروا إلى من لا يشبهه شيء بأبصارهم، فبلغوا بذلك غاية الكرامة ومنتهى الرضا والرفعة.