وإذا طالعنا كتاب"التوهم"وجدنا هذه الجمل تكاد تكون هي نفسها في مستهله. أي إن هذا الكتاب أصله موعظة مؤثرة عمد قائلها بعد إلقائها إلى توسعتها واستكمالها على شكل كتاب وجعل لفظ التوهم المتكرر فيها عنوانًا له. وهو يطلب إلى السامع ثم بعده إلى القارئ أن يتوهم حال الموت وما بعدها من نشور وحساب وجحيم أو نعيم كما يفصل المؤلف ذلك في كتابه تفصيلًا بديعًا ورائعًا أقرب ما يكون إلى الترغيب والترهيب والعمل على إصلاح النفس وتحسين السلوك والمعاملة. ولا شك أن أمثال هذه المواعظ كانت تلقى بلغة سهلة وبيان واضح وقوة جازمة وحازمة ومؤثرة ولا سيما إذا كان الإلقاء في حشد جماهيري كما يحدث ذلك في المساجد، لأن التجمع والاحتشاد أقوى على العدوى النفسية وأسهل للتلقين وأفعل في تطهير النفوس وتصفية الضمائر، وكذلك إذا كان الواعظ أهلًا للوعظ ومتميزًا بالأمانة ورفعة المكانة ومحط الأنظار في التقشف والزهد والتقوى والعبادة.
اهتم بمخطوطة"التوهم"المستشرق الانكليزي أرثر اربري الذي درّس في كلية الآداب بالجامعة المصرية سابقًا ونشره لأول مرة في القاهرة عام 1937 ويقع في 63 صفحة مع مقدمة موجزة قدمها له الباحث المشهور أحمد أمين صديق المستشرق.
وقد أعاد طبعه ونقله إلى الفرنسية مع مقدمة وحواش وتعليقات مفيدة المستشرق أندري رومان Andre Roman في كتابه:
ويبدو لنا أنه اعتمد النص الذي أخرجه أربري لأن في الطبعتين بعض الأخطاء اللغوية أنفسها ففي الصفحة الثانية من نسخة أربري والفقرة الثامنة من نسخة رومان:
فذلّت نفسك لما عاينت ذلك وعاينت وجه ملك الموت. والصواب لما عانيت ذلك.
وفي الصفحة العاشرة في النسخة الأولى والفقرة الرابعة والثلاثين في النسخة الثانية فلم يحاسّ (؟) من الخلائق أحدًا.