بل كان المحاسبي يؤثر الخصاصة والفقر على الغنى ولو أمكن الغنى وتيسر. قال الجنيد أيضًا:"مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة، وخلَّف أبوه مالًا كثيرًا وما أخذ منه حبة واحدة، وقال: أهل مِلَّتين لا يتوارثان وكان أبوه واقفيًا" (29) . وفي رواية القشيري:"لأن أباه كان يقول بالقدر" (30) أي كان معتزليًا والواقفية نحلة من المعتزلة.. وموقف الحارث هذا من قبيل الورع والتحرج والتقشف فإن اختلاف المذهب في نطاق الإسلام لا يحول دون الميراث. كذلك كان المحاسبي يرى فقر الفقراء أفضل من غنى الأغنياء ولو صرف هؤلاء أموالهم في سبل مشروعة خوفًا من شغل البال والاهتمام بها والانصراف عن جوهر العبادة، أي كان يرى أن الفقير الصابر خير من الغني الشاكر.
ولكن أئمة آخرين من الحنابلة وأهل الحديث والفقه لا يرضون عن الغلوّ في التقشف. ولكل من هؤلاء الأعلام مبادئه ومقاصده كما ذكرنا آنفًا. عقد أبو الفرج بن الجوزي فصلًا في كتابه"تلبيس إبليس"جاء في الباب التاسع منه قوله:"لا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فإن اتباع الشارع وصحابته أولى. وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في التدين، إما أهواء متبعة، أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب وبين إهمال الحقوق واطّراح العيال واللحوق بزوايا المساجد. فهلا عبدوا على عقل وشرع" (31) .