في الفصل الأول من الكتاب تحدث المؤلف عن القبلية العربية وأعرافها في الجاهلية، إذ يتعذر على القارئ فهم نظام الولاء ما لم يقف على التنظيم القبلي، فالانتساب للقبيلة في الجاهلية كان أشبه بالبطاقة الشخصية في عصرنا، أو بالجنسية، ومن هنا حرص العرب على حفظ أنسابهم، والحفاظ على بقائها، فانتساب العرب إلى عدنان وقحطان كانت له آثار لا تنكر في حياة العرب الاجتماعية، وكانت الرابطة القبلية هي الإطار الأمثل للدفاع عن البقاء ونيل الحقوق، وهي البديل عن الانتساب إلى الدول في عصرنا، فالقبيلة وحدة سياسية مستقلة ووحدة اجتماعية لها أعرافها وتقاليدها وهي أشبه ما تكون بدولة مصغرة، وكانت وحدة الدم هي الأساس في هذه الرابطة، على أن روابط أخرى كانت تنشأ من القبيلة والأفراد المجاورين أو الملتحقين بها دون أن تقوم على أساس من الدم، بل كانت تفرضها المصالح المشتركة في مجتمع لا يعترف إلا بالقوة وشعاره أبدًا:"مَنْ عَزّ بَزّ".
ولم تكن القحطانية والعدنانية عصبية معروفة في الجاهلية، فقد كانت العصبية ضيقة لا تتعدى حدود القبيلة، وكثيرًا ما كان الصراع يقع داخل بطون القبيلة ذاتها وأفخاذها بسبب تناقض المصالح مما يؤدي في آخر المطاف إلى التفتت القبلي وظهور عصبيات أضيق، لكن ذلك لا يمنع من أن العصبية القبلية ظلت من أقوى الروابط التي تربط الفرد بالجماعة، فكان الأفراد يدًا واحدة في الخير والشر، بهدف توفير الحماية ودفع قوة الآخرين، وقد أدت العصبية القبلية إلى ضعف الشعور بالترابط القومي مما كان له أكبر الأثر في صدر الإسلام وعصر بني أمية في شتى الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.