وفي كل عام، عندما يحل الدفء الذي يذيب الثلوج، وفي الموسم الماطر، يفيض نهرا دجلة والفرات. ويبدأ دجلة بالفيضان في بداية شهر آذار/ مارس، أما الفرات فبعد ذلك بأسبوعين، ويرتفع منسوب الماء حتى حزيران/ يونيو إلى نقطة تبلغ عشرة أضعاف مستوى الماء الجاري فيهما قبل ذلك. وهكذا تتحكم تغيرات الأنهار بالحياة في أرض ما بين النهرين، كما في مصر. إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بين فيضان النيل وفيضان دجلة والفرات. ففيضان النيل يتوقف في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، ولا تستلزم الزراعات الشتوية ريًا إضافيًا. أما فيضان دجلة والفرات فينتهي مع بداية الصيف؛ وبدون الماء يجف النبت ويموت، وتغدو زراعة أي نوع من الحبوب مستحيلة. فيجب تخفيض منسوب الفيضانات، وخزن المياه في الصهاريج وقنوات التحويل، كما يجب أن تُشاد السدود والحواجز لكسر عنف المياه تحسبًا من المطر الوابل أو العواصف، وأن تدعم مجاري المياه الطبيعية وأن تبنى ضفاف متينة ويعتنى بها. وإذا كان الجفاف، في الواقع، العدو الرئيسي للزراعات فإنه ليس الوحيد. وكما قيل في شريعة حمورابي: إن النبت يزول بسبب نقص المياه ولكنه قد يُكتسح بفعل فيضان أو عاصفة. ويقترن هذا الصراع ضد المفعول المدمر للمياه الهادرة بالحاجة الملحة إلى الاحتفاظ بما يمكن حفظه منها وبناء صهاريج مزودة ببوابات يمكنها أن توزع الماء عبر قنوات مكشوفة أو من خلال أنفاق يجري فيها ليروي الأراضي الزراعية بواسطة شبكة محكمة من الأقنية التي يمكن فتحها وإغلاقها حسب الرغبة. إنه نظام يتلاءم مع الأراضي المنخفضة، أما في الأماكن الأخرى فيلجأ إلى الجَرِّ اليدوي أو الشادوفي.
وتقتضي هذه الإنشاءات جميعًا عملًا جماعيًا، ومراقبة لصيقة، وتوزيعًا عادلًا. إنها تتشرب في العلاقات الاجتماعية وتنطبع عليها.