لقد ضمنت مثل هذه المواقف"كفاءة العلماء من ناحية وحرية أهل العلم من ناحية أخرى فقد أصبحوا -بهذا- في امتحان ومحنة يومًا بعد يوم، ومن المؤكد أنه لو كانت الأمة تركت العلم لرجال الدولة لما ظل العلم في بلاد الإسلام دائمًا في ذلك المستوى الرفيع، فقد كان على العلماء أن يواصلوا الدرس ليحافظوا على مكانتهم أمام الناس الذين يستمعون إلى دروسهم، ولو تبنت الدولة العلم لفرضت على الناس -إذا شاءت- الأدعياء والدخلاء وأفسدت العلم بذلك، ولو قعد العلماء للتدريس في دور بنتها لهم الدول وتقاضوا أرزاقهم فيها لأصبحوا في عداد خدامها وحواشيها... ولكن الجماعة الإسلامية كلها كانت تشرف على القضاء وتحافظ على تقاليده وكانت ترعى العلم والعلماء وتحرص على أن تظل مؤسسة العلم -أو نظام العلم وأهله- في مستواها الرفيع من الجد والوقار والتعاون وحسن السمعة والإخلاص للعلم... وكان أكبر ما أعان الجماعة على المحافظة على سلامة مؤسساتها -كالقضاء والعلم- أنها كانت تملك المساجد فوضعتها تحت تصرف القضاة وأهل العلم" (31) .
وتبين الدراسة في المساجد أهم خصائص التربية الإسلامية ومبادئها من"البساطة ومساواة الفرص والحرية في التحصيل والارتباط والانسجام بين حاجات الدين وحاجات الدنيا" (32) . والحرية المطلقة للمعلمين والمتعلمين في اختيار مناهج الدراسة وطرائقها، وأوقاتها، وكان للمتعلم الحرية في أن يذهب إلى أية حلقة في المسجد، وإلى أي شيخ يأنس له ولعلمه، وإذا أتم علمًا من العلوم عند شيخ من الشيوخ انتقل إلى الآخر، وقد يبدأ بدراسة علم ما فيجد شيخه من خلال ما لديه من خبرة وحسن فراسة أن هذا المتعلم لا يصلح لهذا العلم فينصحه أن يتخصص بعلم آخر فهو أنسب له، وأكثر تلبية لحاجاته وقدراته.