ولقد انتشرت المساجد انتشارًا كبيرًا جدًا في أنحاء العالم الإسلامي، وقام الخلفاء والأمراء والأثرياء والعلماء والفقهاء، ببناء المساجد في كل مدينة وقرية انطلاقًا من دعوة الآيات القرآنية لتعمير المساجد وبنائها وتكريمها والاهتمام بها على اعتبار أنها إحدى الصدقات الجارية ولارتباطها أيضًا بالشعور الديني الحماسي العارم عند المسلمين وبخاصة في الفترات المتأخرة من العصر.
وارتبط تاريخ التربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا بالمسجد،"ولهذا، فالحديث عنه حديث عن المكان الرئيسي لنشر الثقافة الإسلامية، وقد قامت حلقات الدراسة في المسجد منذ نشأ، واستمرت كذلك على مرّ السنين والقرون، وفي مختلف البلاد الإسلامية دون انقطاع، ولعل السبب في جعل المسجد مركزًا ثقافيًا هو أن الدراسات في سني الإسلام الأولى كانت دراسات دينية تشرح تعاليم الدين الجديد وتوضح أسسه وأحكامه وأهدافه وهذه تتصل بالمسجد أوثق اتصال" (27) .
لقد توسع المسلمون في فهم مهمة المسجد"فكان مصلى ومدرسة وجامعة ودارًا للافتاء، ومنطلقًا للثوار والوطنيين في كل العصور، وبذلك لعب المسجد دورًا خطيرًا في حياة المسلمين وما يزال إلى اليوم مركزًا هامًا للوعي الإسلامي... ولم تقف وظيفة المسجد التربوية عند هذا الحد بل كانت أشبه بنواد أدبية تثار فيها المسائل والمجادلات الأدبية واللغوية المختلفة، كذلك كانت مقصدًا للقصّاص يجلسون فيها فيقصون على الناس القصص التي تجمع بين العبرة والتسلية... وكذلك كانت المساجد مسرحًا للشعر العربي" (28) .
والظاهرة الأولى من المظاهر التربوية في المسجد خطبة الجمعة التي هي"الدرس التربوي الأسبوعي للمسلمين والتي تلقى من على منبر المدرسة الأولى للمجتمع وتلكم هي المسجد، ولأمر ما اقترن التعليم بالمساجد في نشأة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي تجسيدًا للعلم والإيمان وأهميتها في بناء الفرد الصالح والمجتمع الفاضل" (29) .