أما بالنسبة للمؤسسات التربوية الإسلامية،"فقد عرف الإسلام المؤسسة التربوية منذ اللحظات الأولى لبدء نزول الوحي على قلب محمد (( ) ، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم أول مؤسسة تربوية، فقد كان المعلم الأعظم يجمع القلة القليلة التي آمنت به سرًا في هذه الدار، ويستخلص نفوسها، ويعلمها آيات القرآن التي يتنزل بها الروح الأمين على قلبه، ويشكلها (عقائديًا) بما يتفق وتعاليم الإسلام الحنيف" (2) .
ولم تكن المؤسسة التربوية الإسلامية مقتصرة على المدرسة فقط، بل تعدتها إلى الكتاب، والمسجد، والمكتبة، وبيوت الحكمة، ودور العلم، وحوانيت الوراقين، ومجالس العلم والمناظرة، ومنازل العلماء، ومجالس الفتوى، والبيمارستانات، والمراكز الصوفية، والعتبات المقدسة وغيرها.
ولقد كانت هذه المؤسسات التربوية الإسلامية، نتاج بيئة معينة، نابعة من صميم حاجات المجتمع الإسلامي وتطوراته، مصبوغة بالروح الإسلامية، حيث اهتدت بتعاليم وأغراض الإسلام، إنها ليست بالدخيلة، وإنما هي نتاج نمو وتطور في الحياة الإسلامية العامة، نشأت في أمكنة معينة وأزمان معينة، وظروف معينة وضمن أغراض معينة أملتها حاجات المجتمع الإسلامي النامية المتطورة.
وستتناول أبحاثنا المؤسسات التعليمية عند المسلمين، ونبدأ بدراسة الكتَّاب.
ظهر الكُتَّاب عند المسلمين منذ عهد الرسول (( ) ، وانتشر مع انتشار الإسلام في مختلف البلدان، وأنشئ من خلال عمل إسلامي بحت، وكان المكان الرئيسي في العالم الإسلامي لتعليم الصغار، وقد تمتع بمكانة كبيرة الأهمية في الحياة الإسلامية، وبخاصة وأنه المكان الذي يتعلم فيه الصبيان القرآن، إضافة إلى ما للعلم من مكانة في نظر الإسلام حيث هو فريضة على كل مسلم، وكذلك تلك القدوة التي نأخذ بها من خلال أقوال وأفعال الرسول (( ) حيث حض على ضرورة التعلم فكلف كل أسير من أسرى الحرب بعد موقعة بدر بتعليم اثني عشر طفلًا من أطفال المسلمين على سبيل الفدية.