ومن المعروف أن وصف الرحلة والراحلة، ونعت الحصان والفرس، وذكر الظبي والظليم والنعامة والذئب والثور والكلب والصيد وغيرها من أبرز معالم القصيدة العربية، ومن أغراضها الأساسية، قبل أن يستقل هذا الغرض بنفسه، ويتطور بتطور الحياة الحضارية للعرب، فيصبح فنًا شعريًا قائمًا بذاته، له شعراؤه وأعلامه، وتتنوع أساليبه ومذاهبه، وتتعدد أغراضه لتشمل الوصف والمديح والهجاء والرثاء وغيرها من أغراض الشعر.
وإذا كنا قد أطلنا الوقوف عند هذه الأغراض في بحث سابق مسهب ومفصل (2) ، فإن مراثي الطير والحيوان تظل من أهم هذه الأغراض وأجدرها ببحث مفرد ومستقل، لما فيها من جدة وطرافة وصدق قد تفتقر إليه كثير من مراثي الشعراء في بني الإنسان.
ولم يكن هذا الفن من الرثاء جديدًا أو مستحدثًا في العصر العباسي، وإن كان قد ارتقى فيه وتطور، وإنما عرف منذ العصر الجاهلي والإسلامي، ولدى عدد غير قليل من الشعراء الذين وصلت إلينا أشعارهم، وكانت لهم فيه طرائف جمة، وبدائع مستحسنة، ومن ذلك ما رواه صاحب الأغاني من خبر أبي زبيد الطائي"وكان له كلب يقال له أكدر، له سلاح يلبسه إياه، فكان لا يقوم له الأسد، فخرج ليلة قبل أن يلبسه سلاحه، فلقيه الأسد فقتله"فقال في وصف مقتله ورثائه قصائد عديدة"فلامه قومه، وقالوا له: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له، فقال: لو رأيتم ما رأيت، أو لقيكم ما لقي أكدر لما لمتموني" (3) وكان أكدر قد خرج من البيت مختالًا كعادته، ومضى نحو عرزال بعيد، ظن فيه فرائس يصيدها، ويجلب معها الفرح لأهل بيته، فإذا هي أجمة لأسد ولبؤة وجراء ستة، فأيقن بالهلاك والموت، وجال يريد الهرب وأنى له ذلك، وقد أدركه الأسد، فأصبح طعمة بين براثنه، وما انفك أبو زيد يرثيه ويذكر مصرعه، ويصور دخيلته وهو يواجه الموت بين أنياب ذلك الوحش الكاسر، دون أن يخفي مشاعر الحزن والأسى التي تعتاده كلما تذكر ذلك المشهد المخوف فيقول: (4)
اخال أكدر مختالًا كعادته