أو كما قال عبد الله بن المعتز:"متواضع العلماء أكثرهم علمًا، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماءً". (30) ، لذا فقد تبع المؤلفون العرب في كتاباتهم منذ القرن الثالث الهجري مبدأ الاعتذار، حتى غدا قاعدة يرتكز عليها الكتَّاب مهما عظم مقامهم، ورقيَت بحوثهم. فانظر إلى تواضع ابن الأثير مثلًا وهو يقول في مقدمة كتابه"المثل السائر": ولا أدعي فيما ألَّفْتَهُ من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق اللسان. فإن الفاضل من تعدُّ سقطاته، وتُحصى غلطاتُهُ". وهذا لعمري يدل على تواضع ذلك العالم النِّحرير أكثر مما يشير إلى وجود أغاليط في كتابه."
*خاتمة:
ونختم الحديث بضرورة أن يقوم الكاتب بمراجعة ما خطَّه يراعه، من وقت إلى آخر، لتنقيح ما سوَّد، وتهذيب ما كتب، تأمَّل مقدار الدقة والحذر الذي وصله الجاحظ عندما قال:"وينبغي لمن كتب كتابًا ألاَّ يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرِّغ له... فإذا سكنت الطبيعة، وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فيه. فيتوقف عند فصوله توقف من يكون طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب". (31) .
*الحواشي:
(1) ـ صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي، أحمد (821 ـ 1418هـ) ، نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية 1: 51.
(2) ـ الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي، دار الفكر، بيروت، لبنان 20 ـ 120.
(3) ـ البيان والتبيين للجاحظ، عمرو (150 ـ 255 هـ) ، حققه عبد السلام محمد هارون، دار الجيل ودار الفكر، بيروت، لبنان 1: 79.
(4) ـ صبح الأعشى 1: 37ـ 43.
(5) ـ المرجع السابق: 1: 45.
(6) ـ زهر الآداب وثمر الألباب للحصري، إبراهيم (؟ ـ 453هـ) ، حققه وشرحه د.زكي مبارك، دار الجيل، بيروت، لبنان: 2: 480 ـ 481.
(7) ـ صبح الأعشى: 1: 44.