هذا التناقض في الصفات والخصائص يبرز الفرق بين فن الحدائق وبقية الفنون المتعارفة. ذلك أن طائفة من هذه الفنون الجميلة تعالج مواد هامدة وتؤلف بينها لتهب لها وجودًا فنيًا ممتعًا من نوع روحي خاص كما يفعل التصوير بالألوان والخطوط والأشكال وكما يصنع النحت بالمرمر والصخر والخشب وأمثالها فهي تفرض على هذه المواد أشكالًا ونسبًا ثابتة ونهائية. ولكن فن الحدائق يعالج مادة حية لها قوانينها ونظامها في النمو والتكامل أو النكوص والتراجع. فهي إن استجابت لرغبات الإنسان وما يريده من تشكيل وتأليف فلابد من أن تخرج عن إرادته ورغباته بالعفوية التي تملكها والخصائص التي تتميز بها. هذا نوع من التناقض والانسجام في وقت واحد بين المادة الحية والأشكال التنظيمية المفروضة. وليس فن الحدائق إلا تعهُّد ذلك الانسجام والتناقض والاختلاف والائتلاف والنجاح في الملاءمة بين هذه الأضداد. قد تطغى المادة الطبيعية الحية في الأسلوب فيقترب فن الحدائق من عفوية المناظر الطبيعية أو يوحي بها دون أن يلتزم بها تمامًا. وقد يغلب التنظيم في الحديقة فيحد القوى الطبيعية ويضيّق عليها ويجعلها قريبة من مواد فن العمارة وذلك بتقليم الورود والأشجار وترتيب المروج والأزهار وتنسيق الفسقيات والجداول وإعطاء الجميع أشكالًا هندسية ونِسبًا متسقة متصلة ومنفصلة.
هذان الحدان المتقابلان الطبيعي والهندسي يترجح بينهما تاريخ فن الحدائق كله منذ القديم إلى العصر الحاضر. فن الحدائق الصيني والياباني ثم الإنكليزي مثال على النوع الأول، وفن الحدائق البابلي ثم الفرنسي مثال على النوع الثاني. والجامع للنوعين هو الفن العربي الإسلامي.
إن موضوع الحدائق مادة الحياة وما فيها من عناصر. ولما كان الكائن الحي رهن التبدل والتغير احتاج هذا الموضوع إلى التعهد الدائم والصيانة الدائبة، وإلا سرعان ما ينتهي إلى التصوّح والاضمحلال ويفضي إلى الذُّوِيّ واليبس والانقراض.