فهرس الكتاب

الصفحة 8544 من 23694

ومن هذه القضايا التي عرض لها شعراء الجاهلية وعالجوها في قصائدهم:"أزمة الجوع في المجتمع الجاهلي". فمن المعروف لدينا أن البيئة الجاهلية الطبيعية -وهي بيئة البادية- شحيحة بالخير، ولهذا كثيرًا ما تنزل بها نازلة الجدب والقحط لانحباس المطر وجفاف الماء والمرعى، وفي هذه الحال تقفر البادية ويموت فيها كل شيء ويجوع الناس ويشتد عليهم الزمان، هنا في مثل هذه الأزمة العصيبة نلاحظ حالة عجيبة في المجتمع الجاهلي تثير الاستغراب والإعجاب معًا. نرى الإنسان الجاهلي لا يسارع إلى الاستئثار بما لديه من مادة الخير، ولا يحاول الاستغلال والاستفادة من الفرصة السانحة، بل نرى الناس يسارعون إلى التباري في الجود بما لديهم وإخراج الخير الذي يملكونه ويتباهون في إطعام الفقراء والمحتاجين وإيوائهم، ويفخرون بذلك فخرًا عريضًا ولا سيما الأغنياء أصحاب اليسار منهم. ونجد شواهد كثيرة في الشعر الجاهلي تصف هذه المواقف في أغراض مختلفة من أغراض الشعر الجاهلي، في الفخر أو في المديح وحتى في المراثي. من هذه الشواهد قول طرفة بن العبد البكري في مجال الفخر بأهله وقبيلته في قصيدته الرائية (4) :

نحن في المشتاة ندعو الجَفَلى

بجفانٍ تعتري نادينا ... من سديف حين هاج الصِّنَّبر

كالجوابي لا تني مترعة ... لِقرى الأضياف أو للمحتضر

ثم لا يحزن فينا لحمها ... إنما يحزن لحم المدَّخر

ففي هذه الأبيات يفخر الشاعر طرفة بجود قومه، فيذكر أنهم يدعون الناس إلى المآدب دعوة الجفلى أيام الجوع في الشتاء، والشتاء زمن الشدة والضيق في البادية دائمًا، يشتد فيه البرد ويعزّ القوت فتجتمع على الناس شدة الجوع وشدة البرد، وتكون أزمة تحطم الفقراء منهم خاصة، ولاسيما الأرامل والأيتام. ... بمَفَالِق متشابه أعلامها

وشاهد آخر من الشعر الجاهلي نستقيه من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، يقول فيها مفتخرًا بجوده ورعايته للجيران المحتاجين، ولاسيما النساء ذوات الأطفال (5) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت