جهد النحاة العرب لوضع القاعدة النحوية على أساس علِّيّ. وكانت العلل هشة بادئ الأمر، يطعن الطاعن فيها بسهولة، فلما كان ابن جني عمل للتخلص مما يسمى بتخصيص العلل، أي من إمكان نقضها لعدم الاحتياط في وصفها، مثل قولهم في علة قلب الواو والياء ألفًا: إن الواو والياء متى تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين"وهي قاعدة منقوضة بمثل: (غَزَوَا) ، وبمثل (عَوِر) ، فسدّ ابن جني كل خلل في القاعدة، وجعل قاعدته شاملة مطردة لا يطعنها طاعن من جهة، وتخاطب العقل قبل الذاكرة من جهة أخرى، فجعلها كما يلي"إنهما متى تحركتا حركة لازمة، وانفتح ما قبلهما، وعري الموضع من اللبس، أو أن يكون في معنى ما لابد من صحة الواو والياء فيه، أو أن يخرج على الصحة منبهة على أصل بابه، فإنهما يقلبان ألفًا" (19) ."
وأضحى التعليل من موضوعات الخلاف في العصور المتأخرة، ففي حين أنكره بعض النحاة، ولاسيما نحاة المغرب والأندلس الذين كان للمذهب الظاهري في الفقه أثر واضح على مذهبهم النحوي، كابن مضاء القرطبي وأبي حيان النحوي، عمّق نحاة المشرق بشكل خاص الاتجاه التعليلي، هذا ابن يعيش النحوي الحلبي الكبير، وهو من أواخر المعتزلة، تتلمذ عليه ابن مالك نفسه، وإن كانت تلمذة سطحية على ما يبدو لشدة البعد بين منحيي الرجلين، هاهو يشرح للقارئ سبب انقسام الضمير إلى متصل ومنفصل"القياس فيها أن تكون كلها متصلة لأنها أوجز لفظًا وأبلغ في التعريف، وإنما أتي بالمنفصل لاختلاف مواقع الأسماء التي تضمر، فبعضها يكون مبتدأ، نحو"زيد قائم"فإذا كنيت عنه قلت: هو قائم، أو أنت قائم إن كان مخاطبًا لأن الابتداء ليس له لفظ يتصل به الضمير، لذلك وجب أن يكون ضميره منفصلًا.." (20) ويعلل حركة تاء الرفع بأن"التاء هنا (أي في مثل: جلستُ) اسم قد بلغ الغاية في القلة فلم يكن بد من تقويته بالبناء على حركة لتكون الحركة فيه كحرف ثانٍ.." (21) .