فهرس الكتاب

الصفحة 8491 من 23694

لم يكن أبو العبر، وكان يعرف أنه لا يمكن أن يكون، بوجود البحتري وأبي تمام ودعبل الخزاعي وابن الرومي وغيرهم، شاعرًا متألقًا بارزًا. ولذلك سلك طريقه ذاك. إلا أنه وكما يذكر رواة ونقاد ذلك العصر،"كان صالح الشعر مطبوعًا يقول الشعر المستوي" (22) ،"وأن له أدبًا صالحًا وشعرًا طيبًا" (23) . بل إن الإعجاب بأبيات له دفع أحدهم إلى القول إنه لو أراد دعبل، وهو أهجى أهل زمانه أن يقول في معناها ما قدر على أن يزيد على ما قاله أبو العبر من أبيات، وهي (24) :

رأيت من العجائب قاضيين

هما اقتسما العمى نصفين فذًَّا ... كما اقتسما قضاء الجانبين

هما قال الزمان بهُلك يحيى ... إذ افتتح القضاء باعورين

وتحسب منهما من هزَّ رأسًا ... لينظر في مواريثٍ ودينٍ

كأنك قد جعلت عليه دسًَّا ... فتحت بُزالَه من فردِ عين

وربما بلغ التعبير عن الإعجاب حد المبالغة، كما جاء في وصف جحظة لأبي العبر بقوله (25) : لم أر قطُّ أحفظ منه لكل عين ولا أجود شعرًا.. ... أظلم فجازيك بمرصاد

وما من شك في أن لأبي العبر شعرًا صالحًا ومليحًا، كما يذكر الرواة. منه قوله متغزلًا (26) :

هوى دفين وهوىً باد

يا واحد الأمة في حسنه ... أسرقتَ في هجري وإبعادي

قد كدت مما نالني في الهوى ... أخفى على أعين عُوّادي

عبدك يحيي موته قبلةٌ ... تجعلها خادمة الزاد

وقوله (27) : ... تذكِّرني ذاك الشنيب المفلَّجا

وفي ساعدي ممن تعلقت عضَّةٌ

وآثار خُدشٍ في يدي مليحةٌ ... أقام عليها القلب منِّي وعرَّجا

أمَا والذي أمسيتُ أرجو ثوابه ... لقد حلَّ ما أخشاه وانقطع الرجا

وقوله (28) يصف نفسه وعلوّ همته، وهي أبيات يتكرر استحسان الرواة والمؤلفين لها واستشهادهم بها في أكثر من مصدر: ... فيه أمنٌ لي من العدمِ

ليس لي مالٌ سوى كرمي

لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متَّهمِ

قنِعت نفسي بما رزِقَت ... وتمطِّت في العلى هِمَمي

ولبستُ الصبرَ سابغةً ... فهي من قرني إلى قدمي

فإذا ما الدهر عاتبني ... لم يجدني كافر النعمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت