فهرس الكتاب

الصفحة 8036 من 23694

نعم ذلك العد قصير وإن تطاول. وإنما أقصد به عمر إنسان عاش وجد وكافح وكتب وتألق فهو قصير مهما فسح له في الأجل إذا قايسناه إلى طول المكث تحت الثرى. أريد هنا أن أقف بعض الشيء فأتصور عمر الأرض حتى الآن وهو يقدر بأربعة مليارات من السنين وأتصور أيضًا تاريخ ظهور الإنسان على الأرض وهو يقدر بمليون سنة تقريبًا. ولو اعتبرنا عمر الأرض بالفرض عامًا واحدًا لكان ظهور الإنسان قد حصل في الساعتين الأخيرتين من ذلك العام، ولكان التاريخ الميلادي وهو يكاد يتم عشرين قرنًا عبارة عن الخمس عشرة ثانية الأخيرة ولكان عمر الإنسان في أحسن أحواله لا يزيد على ثلاثة أرباع الثانية. فما بالنا بالنسبة إلى الأبد البعيد يوم تقوم القيامة وتبدل الأرض غير الأرض. أوليست هذه اللحظات الخاطفة التي هي عمر الإنسان تعادل وميض البرق حين ينبلج بين كفاف السحاب ثم سرعان ما ينطوي؟!

هنا نقدر حدس الشيخ الرئيس ابن سينا في قصيدته العينية المشهورة حين يصف قِصَر حياة المرء على الأرض في بيت منها فيقول:

فكأنها برق تألق بالحمى

وكذلك بيت الفيلسوف السهروردي الذي يشعر الشعور نفسه ويستعمل غالبية ألفاظ ابن سينا فيقول: ... ثم انطفا فكأنه ما أبرقا

فإذا بها برق تألق بالحمى

ولكننا نحن نقدر مع قِصَر هذا الوميض سناه الذي هتك حجب الظلام وأنار بعض الطريق للسارين على ظهر هذا الكوكب وساعد على نصيب من التقدم والرقي وأعان على نشر التعاون وكبح شرور الفساد. ... وميض ثم يتبعه أفول

إيه أبا نجم! إني إذ أعرب عن مواساتي القلبية لأسرة الكتاب السوريين ولأبناء حمص ولآل الصافي الكرام لأنوه بنور برقك اللامع وبكل ما قدمت من سعي ونضال وأدب رفيع.

وها أنذا أذرف عبراتي أبياتًا على نهجك إذ كنت طول حياتك تعتمد النثر والشعر مجدافين في زورق الحياة الأدبية الذي أقلَّك إلى شاطئ الأبدية:

مقام المرء في الدنيا قليل

أبو نجم مضى فنعيت نفسي ... وكلٌّ خلفه أجلٌ وبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت