واستطرد بعد هذا الحديث فذكر لنا أن الملك الأيوبي الكامل محمد بن العادل أبي بكر قد ابتنى (دار الحديث الكاملية) سنة 622هـ بين القصرين، وقرر بها مذاهب الأئمة الأربعة وخطبه،"ووقف على المدرسة المذكورة" (43) .
اهتم سلاطين المماليك"وأكابر الأمراء وغيرهم"بإنشاء دور العلم، مقتدين بمن سلف من سادتهم الأيوبيين، وقد تنافسوا في إنشائها، فازداد عددها زيادة كبيرة جدًا في الشام ومصر، حتى إن الرحالة المغربي ابن بطوطة تعجب من كثرتها، وذكر أنه لا يحيط أحد بحصرها لوفرتها (44) . كما أوضح القلقشندي أن هؤلاء السلاطين المماليك بنوا"من المدارس ما ملأ الاخطاط وشحنها" (45) ،"فأربت على ذلك وزادت عليه" (46) .
نذكر من هؤلاء السلاطين الظاهر بيبرس، فقد ابتنى (المدرسة الظاهرية) (47) . القديمة سنة 662هـ، وهي واقعة بين القصرين، بجوار (المدرسة الصالحية) .
أما (المدرسة الظاهرية الجوانية) فقد ابتناها في دمشق لتكون له تربة بعد موته، وكانت من قبل دار العفيفي، وأصبحت سكنًا لنجم الدين أيوب، والد صلاح الدين، وجد الملوك الأيوبيين، فاشتراها وبناها مدرسة ودار حديث، سنة 670هـ، واستغرق بناؤها سبع سنين، ولم تكتمل، وابتدأ التدريس فيها قبل إتمامها للحنفية والشافعية، وحضر درسها الأول يوم افتتاحها نائب السلطنة في دمشق أيدمر الظاهري، ومعه العلماء والقضاة. وأول من درس فيها من الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان، ومن الشافعية الشيخ رشيد الفارقي. وقد أمر بإكمالها بعد ذلك السلطان قلاوون بعد وفاة مؤسسها الظاهر.
أسهم المنصور قلاوون في إنشاء المدارس، فابتنى (المدرسة المنصورية) ،"وجعل قبالتها تربة سنية" (48) ، وألحق بها (البيمارستان المنصوري) ، وأمر أن يدرس فيها الفقه على المذاهب الأربعة، يضاف إلى ذلك درس في التفسير، ودرس في الحديث، ودرس في الطب. وكان الاحتفال بإتمامها مشهودًا، إذ حضر السلطان نفسه، وأنشد الشاعر البوصيري قصيدة، استهلها بقوله (49) :