ولكن لِمَ كان النص في المعاجم على تعدية الفعل بـ (من) غالبًا دون (عن) ؟ فأنت تقول (قد تسبب هذا عن هذا) . قال الفيومي: (وهذا مسبب عن هذا) وقد تكرر ذلك في كلام ابن جني في الخصائص (3 / 160) ، كما تقول (اعتللت بمرضي عن غيابي، أي احتججت بهذه العلة. قال الفيومي(واعتلَّ إذا تمسك بحجة، ذكر بمعناه الفارابي) . وقال ابن جني (3 / 206) : (واعتل لهذا القول بأن ما قبلها ساكن) .
قال الأستاذ محمد علي النجار في كتابه (لغويات / 142) ، (لقد استعملت العلة أيضًا في العذر، ويعتذر به الإنسان عن لوم يوجه إليه في التقصير في بعض الأمر) . وقال:(ومما يؤنس لما نحن فيه أنه ورد الاعتلال في ذكر العلة، ويقول الفارابي، على ما في المصباح: اعتلّ إذا تمسك بحجته، وقال أبو قيس بن الأسلت:
وتكرمها جاراتها فيزرنها
وليس بها أن تستهين بجارة ... ولكنها منهن تحيا وتخفر
فقوله: تعتل عن إتيانهن أي تعتذر بذكر وجه تخلفها عن زيارتهن فظهر أن التعلل في معنى ذكر العلَّة، له وجهه الصحيح). ... فما اعتذرتْ إبلي عليه ولا نفسي
وقد ذكر النحاة من معاني (عن) المطردة: (التعليل) ، قاله صاحب المغنى (1 / 127) ومثَّل له بقول تعالى ?وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ـ التوبة / 115?. وفي الهمع للسيوطي (2 / 29) ما في المغنى. وفي شروح الألفية وغيرها من الأمهات نحو من ذلك وانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى حول تخريج قوله تعالى ?فخرعليهم السقف من فوقهم ـ النحل / 26? قال المرتضى (1 / 351) : (قيل في ذلك أجوبة أولها أن يكون على معنى عن فيكون ـ فخر عنهم السقف من فوقهم ـ أي خرّ عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى فلان عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون على وعن، بمعنى من أجل الدواء) !.