وهذه المرحلة ثمرة المراحل السابقة، ثم هي بدورها بذرة الحركة العلمية التي نريد أن نضطلع بها.. إن نشر هذا التراث نشرًا محققًا هو السبيل إلى الإفادة منه ثم هو السبيل كذلك إلى تصفيته وتنقيته وتجاوز تراكماته، وإعادة تكوين صورة الحياة العلمية العربية في حركتها طوال القرون منذ أن كانت نشأتها إلى أن كان ازدهارها ثم كان توقفها.. ونحن في حاجة إلى هذه الصورة لتجلية المشكلات التي علقت بتاريخنا..
إن أي أمر علمي نفكر فيه الآن من مثل تجديد كتابة التاريخ، وتوثيق النصوص، وإعداد المعجم التاريخي، ودراسة التطور اللغوي، ومعرفة المنحول والموضوع، وتبين العناصر الثابتة والمتحولة.. إن كل ذلك مرهون بنشر ما لم ينشر من هذا التراث على هذا النحو العلمي الذي يمهد الطريق إلى الدراسات العلمية، ويوفر كثيرًا من الجهد في سبيلها.
ولن يكون مقبولًا أن نتابع طرائق النشر التي كانت منذ بداية النهضة.. أنه لابد من أن يكون طرائقنا الجديدة في النشر: طرائق تستفيد من التقنيات الحديثة من جهة، وتمهد لاستخدام هذه التقنيات وبخاصة في مجال الحاسب الآلي.. فلم يُبْقَ سرًا أن جهودًا كبيرةً نستطيع أن نحتفظ بها إذا نحن أخضعنا عملية التحقيق والنشر بحيث نستطيع أن نستخدم بها بعد ذلك الحاسب الآلي.. وهو أمر له آثار كبيرة على حركة الفهرسة والتثبت والتوثيق والوصول السريع إلى المواد.
4 ـ صعوبات مترقبة:
وبعد، فأنا أقدر أني تحدثت عن هذه المراحل الخمس حديثًا موجزًا جدًا.. إن كل مرحلة منها في حاجة إلى فيض من الدراسات، وفي حاجة إلى كثير من الإعداد، حتى تقود إلى المرحلة التي تليها، وحتى تحقق المراحل في مجموعها غايتها البعيدة.