مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 30 - السنة الثامنة - كانون الثاني"يناير"1988 - جمادى الأولى 1408
التّراث العَربي خطة وَمنهج1 ـــ د. شكري فيصل
1 ـ المقدمة:
*مكانة التراث في حركتنا الثقافية:
يشغل التراث العربي من نفس المعاصرين مثل المنزلة التي شغلها في نفوس أصحابه حين كانوا يعكفون عليه: ينشئونه أو يصنعونه.. إنه يمثل عبقريتهم وخبرتهم وثقافتهم، على نحو ما يمثل في وجدان المعاصرين بواعث هذه العبقرية ومظاهر هذه الخبرة والطريق إلى تحديث الثقافة.. إنه يكون منا (نحن ـ الماضي) وبالتالي يكون (نحن ـ المستقبل) بمقدار ما يكون من تأثير الماضي في صياغة المستقبل، وبمقدار ما نستطيع أن نجهد نحن في فهم هذا الماضي وأن نعمل في سبيل الارتفاع فوقه والإضافة عليه.
والإجماع منعقد بين دارسي النهضات على أن بذور المستقبل لا تنفصل عن تراب الماضي، وأن النظرة إلى وراء إنما هي شرط لتصويب النظرة إلى أمام.. وأن في الحياة العربية الماضية في الحوافز والتجارب والمبادرات والإبداعات، ما لا يمكن أن تستغني عنه في تطلعها نحو الآتي.
فلا عجب إذن أن يشغل هذا التراث أذهان المعاصرين وأن يلتفتوا إليه بالعين الفاحصة، وأن يقيموا بينه وبين حركتهم المعاصرة هذه الجسور التي تمر من فوقها أجيال المستقبل في طريقها إلى بناء هذا المستقبل، وإلى تصميم مساراته حينًا، أو املائه بالقوى الخفية الفاعلة حينًا آخر.
ولقد التقى على الاهتمام بهذا التراث العرب والمستعربون، الشرقيون والمستشرقون.. واجتمع عليه أعداؤه وأصدقاؤه.