زار ابن رشد مدينة مراكش عاصمة الموحدين مرات كان أولها، فيما يبدو، سنة 548 هـ ـ 1153 م في أيام عبد المؤمن بن علي. ويبدو أن ابن رشد كان منذ ذلك الحين على صلات طيبة بآل زهر. ولعل انصراف ابن رشد عن التكسب بالطب هو الذي زوى عنه منافسة آل زهر وعداوتهم وكسبه صداقتهم. وتوثقت صلاة ابن رشد بأبي مروان ابن زهر فاتفقا على أن يؤلفا كتابًا جامعًا في الطب يضع ابن زهر (7) جزئياته أو الجانب العملي منه، ووفى ابن رشد بما كان الطبيبان قد اتفقا عليه ووضع كتاب الكليات (557 هـ الموافقة لـ 1162 م) . ولكن ابن زهر لم يجد من وقته المملوء بالتطبيب ما يوفره على وضع الكتاب المطلوب فوضع لابن رشد كتابًا آخر اسمه"التيسير"في المداواة والتدبير (8) .
وفي سنة 548 هجرية قدمه ابن طفيل إلى أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (9) الذي يعد المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين وكان الفيلسوف ابن طفيل ذا تأثير على هذا السلطان وكان السلطان يعتمد عليه في جلب العلماء والحكماء إلى بلاطه، وكان بين هؤلاء الفيلسوف ابن رشد، وكان لا يزال في دور الشباب.
وقد وصف لنا أحد تلاميذ ابن رشد، المقابلة الأولى التي جرت لأستاذه مع هذا السلطان، جاعلًا صيغة الكلام على لسان ابن رشد نفسه. قال:
"لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب، وجدت عنده أبا بكر ابن الطفيل، فمدحني أبو بكر أمامه، ثم سألني عن اسمي وأسرتي، وقال لي:"
"ما هو رأي الفلاسفة في السماء؟ هل هي حادثة أم قديمة؟".
فخفت واعتذرت، وأنكرت اشتغالي بالفلسفة، فأدرك أمير المؤمنين ما اعتراني من الخوف، فالتفت إلى أبي بكر (ابن طفيل) ، وأخذ يحادثه في ذلك، ويذكر له أقوال أرسطو، وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وما قال أهل الملة في الرد عليهم، حتى تعجبت من علمه وسعة إطلاعه. ومازال يتلطف في كلامه حتى هدأ روعي وتكلمت بما حضرني من ذلك، وأبديت رأيي (10) .