ولقد طغى نشاط ابن رشد الفلسفي على شهرته المرموقة، وثقافته الفياضة في العلوم الأخرى، مثل الطب والفلك. وقد ذكر جورج سارتون في كتابه"المدخل إلى تاريخ العلوم":"إن شهرة ابن رشد في عالم الفلسفة كادت أن تحجب منجزاته الطبيعية، على أن ابن رشد كان يعتبر في الحقيقة من أكبر الأطباء في عصره. فقد ألف نحو عشرين كتابًا في الطب، بعضها تلخيصات لكتب جالينوس، وبعضها مصنفات ذاتية، وقد ترجم أكثرها إلى العبرية واللاتينية، وأشهرها (كتاب الكليات في الطب) وهو موسوعة طبية في سبعة مجلدات، ترجمه إلى اللاتينية الطبيب بوناكوزا من جامعة بادوا في سنة 1255 ميلادية، وطبع مرات عديدة مضافًا إليه كتاب (التيسير) لابن زهر". فنتيجة ذلك إن ابن رشد قد اشتهر شهرة عظيمة بين الأوربيين في مجالين أساسيين من المعرفة. هما الطب والفلسفة، ولكن لن ننسى جوانبه الفكرية والثقافية الأخرى التي لم تكن أقل إشراقًا (3) .
**ولد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (أبو الوليد) في قرطبة بالأندلس وعاش في الفترة بين (520 ـ 595) هجرية (1126 ـ 1198) ميلادية ويسميه الإفرنج Averroes. وكان ينحدر من سلالة من المتبحرين والقضاة اللامعين (5) ، فجد ابن رشد كان قاضيًا صنف بالفقه وله فتاوى بنوازل عصره ذات مكانة عالية، وتسلم والد ابن رشد أيضًا القضاء، لكن لما شهر به جده، ولما حظي به من مكانة وكيما يميز عنه يضاف في العادة إليه عبارة (الحفيد) ويضاف إلى جده في نفس الوقت عبارة (الجد) (6) .