على أن ظهور مدرسة القياس في النحو العربي رافقه ظهور الخلافات النحوية، وتمايز مدرستي البصرة والكوفة، وإذا كان بعض الباحثين يميل إلى رد الخلاف إلى أسباب سياسية، مثل تشيع أهل البصرة للزبير وتشيع أهل الكوفة لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) ، وإلى تقريب العباسيين للكسائي زعيم مدرسة الكوفة، وأحد القراء السبعة، فإننا نعلم أن الخلاف كان يدور حول أمور خطيرة هي السماع والقياس وإن جدلًا طويلًا دار حول من يحتج بكلامهم، وأن أهل الكوفة اتهموا بالأخذ عن قبائل عربية كانت تعيش على تخوم الجزيرة العربية ممن خالطت العجمة ألسنتهم، وأنهم كانوا أميل إلى الترخيص في السماع. ونميل كذلك إلى أن الاجتهاد، وهو باب شرعه على مصراعيه تفتُّح العقل العربي هو مفتاح الخلاف.
تطور الخلاف واشتدت حدته بتأثير السياسة والعصبية والقبلية، وأصبح مادة للتسلية حينًا ولشحن النفوس بالعداء حينًا. وقصة سيبويه مع الكسائي في المسألة الزنبورية (3) مأساوية حتى ليقال أن سيبويه ذهب ضحيتها.
كان لابد من البحث عن مخرج من الهوة التي وصل إليها الخلاف، ينقذ النحو، وعلماء البلدين من المهاترات التي لا تخدم العلم في شيء، فظهرت مدرسة أبي علي الفارسي (ـ 377 هـ) التي حرصت على أن يكون النحو علمًا كسائر العلوم، بما تعنيه الكلمة من نزعة عقلية موضوعية وشمولية بمقدار حرصها في الوقت نفسه على أن يصل الإنسان إلى الإيمان عن طريق العقل، فسلكت سبيلين إلى هذا الهدف، وهما:
أولًا ـ فهم اللغة العربية التي استنبطت منها علومها فهمًا موضوعيًا عميقًا، وذلك من خلال مقولتين ينطلق منهما اليوم علم اللغة الحديث: وهما:
1 ـ اللغة ظاهرة اعتباطية.
2 ـ اللغة ظاهرة اجتماعية.